17.08:28

قيل عن الشاعر جرير أنه يغرف من بحر، أما الفرزدق فقيل أنه ينحت في صخر. وورد عن أحد الشعراء قوله " من السهل علي أن أخلع ضرساً من أن أنظم بيت شعر".
غير أن لكل كاتب طقوسه الخاصة عند الكتابة من أجل جذب بنات أفكاره ومن ثم عرضهن على بوديوم أو بيوتات الأزياء الفكرية.. سواء كن محجبات لدواعي الرقابة الفكرية أم سافرات لدواعي نعمة الحرية أو متكشفات جداً من أجل الاستزادة من نعم الحياة البهيجة!
وللشاعر أو الكاتب مكانة فريدة على تغير الأزمان والبلدان، فهو الميديا بالنسبة للقبائل العربية القديمة التي كانت تحتفل بمولد شاعرها كي تبرز المزايا والسجايا المراد طبعها عن قبيلتها أمام القبائل الأخرى .أما مصر القديمة فقد تفوقت في إبراز مكانة الكاتب فخلدته من خلال تماثيل كثيرة بل أن بعض حكامها كرمسيس الأول تم تصوير أحد تماثيله جالساً بهيئة الكاتب تعبيراً عن مكانة الكتّاب الرفيعة وللدلالة على حِكمته.
بيد أن تماثيل الكتاب المصريون القدماء تنقسم إلى قسمين، فهناك الكتبة الموظفين الذين يعملون لدى الحاكم أو رجالات السلطة كتمثال الكاتبين ماع نفر أو رع حتب اللذين تبرز ملامحهما إنصاتهما المرهف لما سيمليه عليهما سيدهما. كما تُبرز هيأتهما على رخاء العيش من خلال وجه ممتلئ مستدير وعينين مكحلتين وشعر مستعار وقلادة تزين رقبتيهما.
أما القسم الآخر فهم الكتاب الذين يملكون ملكة الفكر لا القدرة على الكتابة فحسب، وخير مثال لهم هو تمثال الكاتب الذي يقبع الآن في متحف اللوفر بفرنسا. حيث يبرز ضنى العيش على هيئة هذا الكاتب من خلال ضمور بطنه وبروز أسفل عظام قفصه الصدري ولا يغطي رأسه شعر مستعار بل تبرز أذنيه الكبيرتين بكاملهما لقصر شعره الطبيعي.
أما نظرات عينيه غير المكحلتين فتنطلقان في الهواء متحدثتين عن تحدي ويقظة فكرية وتستكمل تعابير بروز عظام وجهه وحدة فمه سعيه الفكري من أجل مطاردة الفكرة واحتوائها ومن ثم صياغتها عبر أنامله الممسكة بالقلم بحرفة عالية بعكس ظاهرة تماثيل الكتبة الموظفين التي أهملت ناحية الإمساك بالقلم لتبدو أصابعهم مستقيمة وسواسية كأسنان المشط!
والغريب أنه بإمكانك مشاهدة العديد من تماثيل الكتبة الموظفين في المتاحف المصرية أما إن أردت مشاهدة الكاتب المصري صاحب الفكر والقلم فما عليك سوى أن تضحي بقيمة تذكرة ونفقات الإقامة لعدة أيام وتتجه لفرنسا التي سرقت الكاتب الحقيقي بقلمه وربما أفكاره أيضاً!!
سقراط فوزي
رخصة النشر (Syndication)
هذه المقالة لا تتوفر على تعليق لحد الآن...