12.56:47
![]()
كم هي متعة أن يحلم الإنسان .. وما أجملهما من متعة عندما يقف الإنسان على أرض تلك الأحلام!
فالحُلم هو كالسحاب الذي يبقى معلقاً بين الأرض والسماء، أما تحقيق ذلك الحُلم فيستوجب وجود تلك الأرض التي تنتظر ذلك الغمام كي يسقيها فتنبت وتستخرج أشكال وألوان مختلفة من كل حُلم جميل.
محمد إن شاء الله صحفي هندي مسلم صاحب أحد تلك الأحلام، عندما صرح في صحيفته عن حُلمه الذي يود أن يراه يتحقق من خلال تعاون وتكاتف جميع مسلمي العالم من أجل إنشاء سكة حديد تربط بين بلاد الشام والبلدتين المقدستين المدينة ومكة وميناء جدة بل وتمتد إلى اليمن لتربط أنحاء أرض جزيرة العرب.
أجج هذا الصحفي مشروع حلمه من خلال إيعازه للصحف الإسلامية بالهند بتبني هذا المشروع الذي سيخفف من معاناة حجاج بيت الله الحرام القادمين من كل فج عميق، كما سيكون صرحاً قائماً يعبر عن التكاتف والتعاضد بين المسلمين ويزيد من روابطهم ويعزز من إمكاناتهم الاقتصادية.
كان حُلم مشروع سكة حديد تربط الأستانة عاصمة الخلافة الإسلامية ببلاد الشام وأرض الحرمين الشريفين يراود منذ زمن طويل الخليفة عبد الحميد الثاني وأركان دولته، بل أن دواعي ذلك الحلم كي يربط جميع أنحاء الدولة العثمانية بشبكة حديدية هو ما اقتضاه بقاء تلك الإمبراطورية الشاسعة على الخريطة العالمية وإظهاراً لقوة دولة الخلافة دعماً للتضامن الإسلامي الذي تبناه هذا الخليفة للوقوف صفاً واحداً وحائلاً أمام مشاريع التوغل الاستعماري الذي بلغ أعلى مداه مع شروق صبح القرن العشرين.
ويبدو أن حملة محمد إن شاء الله قد وجدت الصدى المنشود في قصر يلدز مقر السلطان ومجلس وكلائه الذين تدارسوا هذا الأمر وتبنوا الفكرة التي أطلقها الصحفي الهندي المسلم بتمويل هذا المشروع من تبرعات المسلمين لما يمثله من رمز عظيم للتضامن الإسلامي المنشود.
كانت الدولة العثمانية سباقة في إنشاء سكك حديدية تربط أنحاء البلقان العثمانية وأرض الأناضول ببلاد الشام والعراق، بل وكانت المنافع والتسهيلات التي جلبتها السكك الحديدية بنقل الجيوش في حروبها الأخيرة في البلقان مع روسيا القيصرية والبلغار واليونان قد برزت من خلال المآثر التي حققتها هناك.
فبعد أن توحدت الممالك الجرمانية على يد بسمارك تحت لواء بروسيا عام 1871 وجدت الأخيرة نفسها متأخرة كثيراً عن مد أذرعها ونفوذها الاقتصادي والسياسي والعسكري في أنحاء العالم أسوة بفرنسا وانجلترا. لذا وجدت في الدولة العثمانية مجالاً خصباً لفرد جناحيها نحو المجال العالمي.
وفي المقابل وجدت دولة الخلافة في ألمانيا تلك الدولة التي لا تطمع في احتلال أراضيها كما هو الحال مع فرنسا وانجلترا، بل ما يسعى إليه الألمان في المقام الأول هو جني بعض المكاسب الاقتصادية العالمية.
فقد زار قيصر ألمانيا ويلهلم الثاني اسطنبول مرتين تعبيراً عن التقارب مع الدولة العثمانية، وقد نتج عن تلك الزيارتين تعزيز الأواصر الاقتصادية من خلال تمويل ألمانيا إنشاء سكة حديد تربط برلين ببغداد مروراً باسطنبول والأناضول وهو ما تحقق في عام 1903.
لكن نظرة الخليفة عبد الحميد لسكة حديد الحجاز كانت مختلفة وقد توافقت تماماً مع ما طرحة الصحفي الهندي المسلم بنأي هذا المشروع الإيماني عن أي تمويل أجنبي واقتصاره على أموال المسلمين وما تخصصه الحكومة العثمانية من مداخيل جديدة لتمويله.
ثارت مشاعر المسلمين وتأججت فرحة ومنتشية من بوادر تحقيق هذا المشروع، بيد أن تعليقات السياسيين الغربيين انحصرت في التقليل من قدرة العثمانيين على تحقيقه بل والسخرية من جدوى إنشاء سكة حديد من أجل غاية إيمانية تتمثل في نقل الحجاج إلى الأراضي المقدسة.
بيد أن تفكير السلطان وأركان دولته كان يختلف تماماً من خلال النظر إلى هذا المشروع كبديل أيضاً عن قناة السويس التي باتت تحت تحكم الإنجليز وكانت الجند العثمانية تضطر لعبوره تحت مرأى الإنجليز لإخماد الثورات التي كانت تندلع من وقت لآخر في عسير واليمن.
خطورة هذا المشروع تجلت في أعين الإنجليز مع مرور الوقت فقد رأوه أيضاً بديلاً للدولة العثمانية عن قناة السويس بل وما تخططه هذه الدولة من مده ليربط شرق الجزيرة العربية وخليج البصرة مروراً بهضبة نجد وتسهيل اتصال الدولة العثمانية بإيران والهند وما تحتويه من ملايين المسلمين المتشوقين لنبذ الاحتلال البريطاني.
درست الحكومة العثمانية جميع تفاصيل هذا المشروع بدقة متناهية حيث تم تقدير تكاليفه بأربع ملايين ليرة عثمانية وهو ما يمثل 18% من ميزانية هذه الدولة التي تعجز عن توفير حتى ولو جزء من هذا المبلغ.
لذا قامت على الفور بحملة لجمع التبرعات حيث تقدم السلطان عبد الحميد المتبرعين بمبلغ خمسين ألف ليرة حذا حذوه رجالات الدولة من مدنيين وعسكريين ثم لتنتشر كالنار في الهشيم بين أفراد الشعب العثماني من موظفين وغيرهم ومن أتباع الدولة من المسيحيين والمسلمين في الهند وإيران وتركستان والصين وروسيا وإفريقيا بل وقبول تبرعات الكثير من الأوروبيين القاطنين في البلاد العثمانية وأوروبا ولم يتم رد سوى الشيكات التي قدمتها الجمعيات الصهيونية في أوروبا!
جرى الاحتفال ببدء انطلاق هذا المشروع بمدينة دمشق في غرة أيلول عام 1900 وقد تم إنشاء رمز له من خلال عامود يرتفع فوقه مسجد، حيث يرمز العامود لأعمدة التلغراف التي سيتم مدها بجانب ذلك الخط الحديدي أما المسجد فهو نسخة طبق الأصل عن مسجد الخليفة عبد الحميد في قصره يلدز باسطنبول.
ومن يزر دمشق الآن سيرى هذا النصب كما بدا أول مرة في ساحة المرجة يحكي حكاية سكة حديد الحميدية الحجاز التي تم الانتهاء منها في الواحد والثلاثين من تموز عام 1908 وتم إنشاء فروع له ليمتد إلى أرض فلسطين مروراً بالقدس العتيقة وربطاً بالبحر الأبيض عبر ميناء حيفا التي انتعشت وتضاعفت صادراتها مثلما انتعشت باقي المدن والنواحي التي عبرها هذا الخط.
ومن المفارقات أنه روعي عدم استملاك أراضي أحد من الناس عنوة من أجل مرور الخط بل أن أحداً لم يطالب بأي تعويض نتيجة لمروره عبر أراضيه. كما أن الدولة استصدرت قوانين كثيرة من أجل العاملين في الخط من مدنيين وعسكريين حرصاً على صحتهم وضماناً لعوائلهم. فعلي سبيل المثال تم تخفيض تلث مدة الخدمة العسكرية الإجبارية للعاملين فيه، كما تم عمل ضمان صحي للعاملين وعوائلهم وصرف رواتب تقاعدية لعوائلهم حال إصاباتهم أو وفاتهم.
وعلى الرغم من أن المشروع كان يهدف الوصول إلى مكة المكرمة وميناء جدة بيد أن معارضة شريف مكة علي باشا الذي رآه خطراً يهدد نفوذه جعل خطه النهائي ينتهي في المدينة المنورة فقط وهو ما أحزن مسلمي الهند الذين حُرم حجاجهم القادمين عبر البحر إلى ميناء جدة من منافعه.
الحديث طويل ولا ينتهي عن قصة هذا الحُلم الإيماني الذي تحول إلى قضبان حديدية فهو قد برز نتيجة عزم ومظهر فريد للتضامن الإسلامي. أما عمره القصير ونهايته المحزنة عام 1918 فكانت نتيجة لانهيار هذا التضامن وتفتته الذي يمثل مظهراً لا يزال قائماً لنجاح المكائد الاستعمارية.
ومع ذلك فخريطة مرور هذا الخط وإن باتت في معظمها أطلالا إلا أنها تبين الخط والطريق الذي يتوجب على المسلمين أن يسلكوه في مقبل أيامهم إن هم أرادوا تلافي محاسبة الزمن على قلب آمال كل من ساهم في إخراج قضبان حديده تحت قيظ شمس نهار الصحراء التي لا يمكن مقارنتها بحرقة قلوبهم!
سقراط فوزي
رخصة النشر (Syndication)