13.46:21

ارتخى عاصم وهو ممدد بفراشه في وقت متأخر من الليل.. لقد كان مرهقا إلى درجة كبيرة، جعله يقطع سريعا صلته بعالم الواقع ويسمو إلى بُعد آخر بلا حواجز أو قيود.. إلى دنيا الأحلام!
رأى نفسه يسير في شارع خال من الناس، لكن الشارع سرعان ما انقلب إلى ضوضاء، وازدحم بجند ذوو ألبسة غريبة.
ثم بدأ الجند يمشون ويمرون من أمامه بشكل منتظم مهيب.. فسألته امرأة عجوز كانت مارة بجانبه عن ماهية هؤلاء، فأجاب بفخر انهم جنود من القرن التاسع عشر، "ألا ترين خوذاتهم وحللهم الزاهية!"
فلاحقته المرأة بنظرة تعجّب وهي تمشي مغادرة.
كان كل شئ أمامه بألوان، لذا انتشى سعادة وفرحة لأنه عاد سنين طويلة إلى الوراء.. لقد تحقق له ما كان يصبوا إليه منذ زمن بعيد، وهو أن يزور دنيا الماضي البعيد.
وجود الألوان طمأنه بأنه انتقل فعلا إلى الماضي، فأخذ ينظر بفخر إلى الجند الكثيرين وهم يسيرون متأملا بأن لا ينتهي العرض.
فجأة انقطعت صلته بذلك العالم، ووجد نفسه يسير بالقرب من مجرى نهر عريض بلا ألوان.
بارحته البهجة وهو يعتقد بأنه قد عاد إلى دنيا الحاضر.
لكن.. كلا، لحسن الحظ أنه لا يزال في دنيا الماضي، فقد أجابه رجل مار بجانبه على سؤاله بأنهم في الأربعينيات من القرن العشرين!
عادت الفرحة والنشوة إليه مرّة أخرى، فالمهم هو أن يبقى في دنيا ما قبل ميلاده، ولكنه تساءل في نفسه: "لماذا هذا النهر بلا ألوان؟!"
سأل رجل آخر مار بجانبه: "لماذا هذا النهر بلا ألوان؟!"
أجاب الرجل: " هذا نهر أزرق عميق، لكنه الآن مليء بالطمي لأنه في حالة طوفان بعد هطول الأمطار"
" ومتى سيعود النهر إلى حالته الطبيعية، أي يصبح أزرقا؟!"
" عليك أن تنتظر بضعة أيام، فسينقل النهر الكثير من الطمي إلى أراض زراعية بعيدة، ستنتعش بدورها لتنتج زراعة وفيرة ومفيدة".
تأثّر عاصم من كلام الرجل، فهو كان يعتقد أن كل شيء جميل ومفيد هو بألوان، وأن كل بشع وعقيم.. بلا ألوان!
وبدأ يحاسب نفسه على تسرعه في بت الأحكام..
فأولئك الجند بألبستهم الزاهية، أليسوا ذاهبون إلى القتال؟!
والدماء التي سيسفكونها، أليست حمراء بلون زاهي؟!
والأرض التي تنبت كل الزرع، أليست بلا ألوان؟!
ثم لمح قاربا فارغا يمر بالقرب من ضفة النهر، فجرّه إليه وركبه، ونظر إلى الأفق وهو يتأمّل بأن يصل إلى تلك الأراضي البعيدة ، التي تنتظر مياه هذا النهر المليء بالطمي.. فهو يريد أن يتحسسها ويشتمّها، لتعيد إليه روحه التي فقدت في عالم الألوان!
أفاق الرجل الضرير من نومه، وعاد إلى دنياه المظلمة، وتحسس إلى أن أمسك بعصاه التي قادته إلى حيث اغتسل، فانتعش، وكأنها أول مرّة يشتمّ ويتعرّف فيها على الماء الذي تشبه رائحته رائحة ذلك النهر الذي رآه في المنام..
فأدرك بأن الماء هو أيضا بلا ألوان!!
سقراط فوزي
رخصة النشر (Syndication)
هذه المقالة لا تتوفر على تعليق لحد الآن...